يحيي بن حمزة العلوي اليمني
180
الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز
وإطباقها أخرى ، فأما تشبيه المركب بالمركب ، فإنه يجمع أوصافا مختلفة ، كالشكل واللون والإضاءة والحركة ، ومثاله ما قاله بعضهم : والشمس كالمرأة في كف الأشلّ . فإن هذا التشبيه يريك مع الاستدارة والإشراق الحركة التي تراها للشمس إذا تأملتها ، وذلك أن الشمس لها حركة متلألئة دائمة ، ولنورها بسبب ذلك تموج واضطراب ولا يحصل هذا التشبيه إلا بمرآة في كف أشل ، لأن حركتها تدوم وتتصل ويكون لها سرعة وتموج ، وتلك حالة الشمس فإن ترى شعاعها كأنه يهم أن ينبسط ، وأجود من هذا التشبيه في اجتماع هذه الأمور قول المهلب الوزير : الشمس من مشرقها قد بدت * مشرقة ليس لها حاجب كأنها بوتقة أحميت * يجول فيها ذهب ذائب ولنقتصر على هذا القدر من الكيفيات ففيه كفاية فيما نريده بمعونة الله تعالى . المطلب الرابع في ذكر أحكام التشبيه وهي كثيرة ، ولكنا نورد ما تمس الحاجة إليه الحكم الأول هو أنه لا بدّ من رعاية جهة التشبيه ، ويجب أن لا يتعدى في التشبيه عن الجهة المقصودة ، وإلا وقع الخطأ لا محالة ، ومثاله قوله صلّى اللّه عليه وسلّم « الكمأة جدرى الأرض » فالغرض من كلامه عليه السلام في تشبيه الكمأة بالجدرى هو أنها مفسدة لها كما أن الجدري يفسد الوجه والبدن ، وليس المقصود من التشبيه هو الاتصال ، فإن مثل هذا لا فائدة فيه ولا ثمرة تحته ، فإن الاتصال ، غرض حقير لا يقصد التشبيه لأجله ، وكما يقال : النحو في الكلام كالملح في الطعام فإن المقصود من هذا التشبيه هو أن الكلام لا يجدى ولا يكون فيه نفع إلا بمراعاة الأحكام النحوية ، كما أن الطعام لا ينفع ما لم يصلح بالملح ، وليس المقصود ما ظنه بعضهم من أن وجه التشبيه هو أن القليل من النحو مغن ، والكثير مفسد ، كما أن القليل من الملح مصلح للطعام ، والكثير مفسد ، فهذا باطل ، لأن الزيادة والنقصان في مجارى الأحكام النحوية في الكلام باطل ، وبيانه هو أنا إذا قلنا : إن زيدا قائم ، وكان زيد قائما فلا بد من رفع أحد الاسمين ونصبه ، فهذا إذا وجد فقد حصل